فوزي آل سيف

83

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

يفعل الخليفة الأول ذلك، قام الخليفة عمر بعد توليه مباشرة بعزل خالد عن قيادة الجيش وجعله مجمَّدًا إلى أن توفي سنة 21 هـ في الشام. أجواء الأب إذن لا تساعد على أن يكون ابنه المهاجر في طريق أهل البيت وولاية أمير المؤمنين عليه السلام، وحال أخيه عبد الرحمن أشد سوءًا في هذا المجال فإنه يُعد من المبغضين لأمير المؤمنين عليه السلام، وقد صرح بذلك كل من ذكره، فقد كان حليفًا للخليفة عثمان ومنسجمًا مع الخط الأموي المناوئ للإمام عليه السلام، ومكافأة له تم تعيينه واليًا على مدينة حمص في الشام، فكان على دمشق معاوية وعلى حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقد نفي إليه في أواخر عهد عثمان عدد من أعيان أهل الكوفة كمالك الأشتر وكميل بن زياد وصعصعة بن صوحان وأخيه زيد، وعمرو بن الحمق وآخرين فآذاهم وشتمهم! وعندما انتهت خلافة عثمان رفض بيعة أمير المؤمنين عليِّ عليه السلام وبايع معاوية فأبقاه معاوية على حمص، وخاض معركة صفين إلى جانب معاوية بن أبي سفيان بل قيل إن لواء معاوية الأعظم كان بيده. وفي هذه العلاقات المصلحية وغير المبدئية كان من الطبيعي أن يموت عبد الرحمن قتلًا على يد حليفه ومن باع دينه لأجل دنيا ذلك الحليف! فكان أن جزاه جزاء سنمّار، وذلك أنهم ذكروا بأن معاوية وهو يهيئ لخلافة ابنه يزيد كان يخشى من المخالفين لتوليته بنفس المقدار الذي كان يخشى فيه منافسيه فبدأ يغتالهم واحدا بعد الآخر.. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: إن معاوية لما أراد البيعة ليزيد خطب أهل الشام وقال لهم: يا أهل الشام! قد كبرت سني، وقرب أجلي، وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاماً لكم، وإنما أنا رجل منكم، فأروني رأيكم، فأصفقوا واجتمعوا وقالوا: رضينا عبد الرحمن بن خالد، فشق ذلك على معاوية، وأسرها في نفسه، ثم إن عبد الرحمن بن خالد مرض، فأمر معاوية طبيبا عنده يهوديًّا وكان عنده مكينًا أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها، فأتاه فسقاه فانخرق بطنه فمات.[232] وفي تاريخ الطبري أن معاوية أمر ابن أثال أن يحتال فِي قتله، وضمن لَهُ إن هُوَ فعل ذَلِكَ أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يوليه جباية خراج حمص، فلما قدم عبد الرَّحمَن بن خالِد حمص منصرفاً من بلاد الروم دس إلَيهِ ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها فمات بحمص، فوفى لَهُ مُعاوِيَة بِما ضمن لَهُ، وولّاه خراج حمص، ووضع عنه خراجه.[233] هذه بيئته غير المساعدة ولكنه اختار الطريق الأمثل وبالرغم من أنه أدرك النبي صلى الله عليه وآله وهو غلام كما ذكروا في أحواله إلا أن ذلك لم يمنعه عن إدراك أن خط الولاية العلوي هو الأقرب والأكثر التصاقًا بالنبي صلى الله عليه وآله. وكذلك فإنه لاحظ فيما بعد كلمات أصحاب النبي الخلص كذي الشهادتين وحذيفة بن اليمان وأبي ذر وعمار وغيرهم في شأن أمير المؤمنين ومواقفهم معه، فكان أن تبلور هذا الخط في ذهنه تماماً، وجعله يلتصق به حتى وإن كانت بيئته مخالفة لأمير المؤمنين عليه السلام. المؤرخون يذكرون أنه بعد أن بايع كما بايع الناس أمير المؤمنين بالخلافة الظاهرية، شارك بحماسة منقطعة النظير في معارك الإمام عليه السلام، فشارك في حرب الجمل وفيها أصيب حيث فقئت إحدى عينيه، ولم يمنعه ذلك من المشاركة في حرب صفين، وكان هو وأخوه عبد الرحمن فيها على طرفي نقيض ففيما كان عبد الرحمن نصيراً للقاسطين المحاربين لوصي رسول الله صلى الله عليه وآله،

--> 232 ) ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٢/‏٨٣٠ 233 (الطبري، ابن جرير: تاريخ الرسل والملوك ٥/‏٢٢٧